مشرف التراث سابقاً
04-11-2006, 09:57 AM
في صباح الخامس من شوال صاح المنادي: الملك لله ثم لعبدالعزيز
القصة الكاملة لدخول الملك عبدالعزيز الرياض
اعداد : بندر الحربي
كان الركب يتهادى بين الكثبان الرملية المتناثرة هنا وهناك، الأرض جرداء إلا من لونها الذهبي الذي هو مزيج من لون الرمال والحصى، العير قد كلت من طول المسير فالمشوار كان طويلاً والسكوت يخيم على المجموعة، صمت لا يقطعه نباح الكلاب من خلف التلال البعيدة،
الشمس في اصفرارها الأخير الذي يسبق الغروب بقليل وحرارة الصحراء اللافحة بدأت تخف رويداً رويداً مع قدوم الليل وبدأ الرجال يشعرون بالاطمئنان وهم يقتربون من الجانب الشرقي لوادي حنيفة إذ بدأت أصوات السواني تصل إلى مسامعهم وكأنها قادمة من كوكب آخر قليلاً.. قليلاً بدأت أصوات السواني تكون أكثر وضوحاً، وعند غروب الشمس كانت المجموعة قد اقتربت من أطراف الوادي فازدادت الضوضاء، ضجيج البهائم وهي تستقبل أمهاتها العائدة من المرعي، خوار العجول الصغيرة وقد حان وقت عشائها، وبدأت البرودة تسري في عروق أولئك القادمين من هجير الصحراء ومن لفح السموم، أولئك الذين أضناهم السرى وهم يبيتون ليلة وراء ليلة في بطون الأودية البعيدة وخلف كثبان الرمال وبين الجبال.
كان عددهم ثلاثة وستين رجلاً يأتمرون بأمر الفتى الشامخ على راحلته في المقدمة والذي كان يقودهم في مهمة كلهم يعرفون خطورتها، كانت وجهتهم الرياض، عاصمة نجد، لا ليتنزهوا هناك ويملؤوا عيونهم بأسوارها الحصينة وقلاعها الباقية من زمن الإمام فيصل بن تركي ولكن ليحتلوها، وكان الرجال جميعهم يعرفون صعوبة المهمة ومدى خطورتها خاصة على جمعهم القليل ولكن ذاك الذي يقودهم يعرفون أنه كالطود لا تهزه الرياح العاتية ولا تخيفه صلصلة السيوف حينما، تُسحب من أغمادها.
وصل الركب إلى محلة الشمسية القريبة من الرياض وأشار الفتى بيده أن مكان الإناخة ها هنا.. الرواحل كان الجوع والتعب قد أخذ منها كل مأخذ ولكن الرجال من فوقها ما كانوا يفكرون في جوع أو تعب إذ إن الأمر أكبر من ذلك بكثير، إنه المصير.. وأي مصير يا ترى في انتظار هذه القلة القليلة من الرجال؟
ظلام الليل.. ونور القلوب
نزل الفتى، والظلام يلف المكان من كل جانب إذ إن الليلة كانت شديدة الظلام، فالقمر مازال هلالاً صغيراً لم يمض على بزوغه سوى أربعة أيام فقط، ولذلك سرعان ما توارى بعد مغيب الشمس بقليل.. والزمان ما كان مثل زماننا هذا فلا كهرباء تضيء المنازل وإنما أشعة ذايلة من أسرجة موقدة في بعض المنازل الطينية من على البعد حتى إنها تكاد لا تُرى من فرط ذيولها. تأمل الفتى المكان جيداً وسرح بخياله بعيداً خلف تلك البيوت الطينية التي تبدو مثل أشباح في الظلام، تذكر طفولته وهو يركض في تلك الأزقة الضيقة تحفه الرعاية الأبوية، وتذكر يوم أن رحل من هنا مع والده وإخوته وهام في الصحراء زماناً متنقلاً بين عرب العجمان في البادية قبل أن يستقر بهم المقام أخيراً في الكويت، وتذكر يوم الصريف من العام الماضي حينما دخل الرياض ظافراً واضطر للانسحاب بعد أن تغلب ابن رشيد على جيش مبارك.
كل ذلك جال في خاطر الفتى وهو يقف على مقربة من المكان الذي طالما حن إليه طويلاً، والمجموعة من خلف لا يسمع لهم صوت، فالفتى أميرهم وهم رهن إشارته ينتظرون ما يشير به عليهم، وهو غارق في تأملاته تلك، المدينة سورها هدمه ابن رشيد ولم يعد لها سور ولعل هذا قد يسهل المهمة كثيراً، أخيراً التفت الفتى إلى من خلفه قائلاً: (ليبق محمد أخي ومعه الرجال هنا، وسنذهب أنا وعبدالعزيز بن جلوي وفهد وعبدالله بن جلوي، وناصر بن سعود ومعنا المعشوق وسبعان لنستطلع الأمر ولا تتحركوا من مكانكم حتى نرسل إليكم).
انطلقت المجموعة المكونة من سبعة أشخاص باتجاه البلدة يقودهم عبدالعزيز.. البلدة كانت غارقة في نوم عميق، البيوت الطينية تبدو في الظلام كأطلال عفا عليها الزمن والكلاب التي تجوب الشوارع في تلك الساعة المتأخرة من الليل نباحها لا يكاد ينقطع. ومن شارع إلى آخر تمر المجموعة بقطيع من الأغنام تجتر عشاءها وهي مكومة على جنبات الطريق، أصوات الجنادب لها صرير حاد يزداد حدة كلما تقدمت المجموعة باتجاه القلعة التي هدمها ابن رشيد ولم يبق منهاه سوى المصمك، كان عبدالعزيز يعرف المكان شبراً شبراً ويعرف أن عامل ابن رشيد عجلان يبيت مع رجاله داخل قلعة المصمك تحت حراسة شديدة ولكن الفتى ما كانت تعجزه الحيلة وهو الذي خبر الصحراء وادياً فوادياً، وهو الذي قضى ثلاثة أشهر مع رجاله يجوبون البادية قبل أن يصلوا إلى هذا المكان، قضوا منها شهرين في الربع الخالي، لا أحد يدري أين مكانهم.
الوصول إلى الهدف
كان عبدالعزيز يعرف منزل عجلان الواقع خارج القلعة، ولكن قبل الوصول إليه آثر أن يتخذ طريقاً آخر مبالغة في الحيطة والحذر فاتجه إلى منزل جويسر أولاً، فقد كان جويسر رجلاً كبيراً في السن يبيع الأبقار، وبكل جرأة طرق عبدالعزيز الباب، فخرجت إحدى بنات جويسر وسألت من خلف الباب (من أنت؟).
قال عبدالعزيز: (أنا ابن مطرف، أرسلني الأمير عجلان يريد من أبيك أن يشتري له باكر بقرتين وأريد أن أقابل أباك).
ويبدو أن الحيلة لم تنطل على الفتاة، فرفضت أن تفتح الباب وعندما علا صوتها جاء أبوها على الجلبة التي حدثت عند الباب وفتح الباب، فأمسك به عبدالعزيز وأمر رجاله بحبسه في مكان من البيت حتى الصباح لكيلا ينفضح أمرهم وبعد أن جال الفتى في أنحاء البيت اكتشف أن هناك منزلاً آخر يفصل بين هذا البيت وبيت ابن عجلان، ولكن هل تنتهي مغامرة الأشهر العديدة عند جدار بيت من الطين يفصل بين بيت جويسر وبيت عجلان؟
ما تعود الفتى أن يستسلم بهذه السهولة، وما كانت الجدران الطينية لتحول بينه وبين المهمة التي جاء من أجلها ولا كان الخوف يعرف طريقاً إلى قلبه الذي خبر المعارك وقعقعة السيوف وبريق الرماح فأمر رجاله بالقفز من على جدار ذلك المنزل وتمت العملية في يسر وسهولة ونزلوا في البيت المجاور لبيت عجلان.
الليل كان قد مضى نصفه الأول والشتاء كاد أن ينتهي ولم يبق منه إلا القليل وفي أواخر الشتاء، عادة، تزداد حدة البرد في الثلث الأخير من الليل.
وبدأ الرجال يشعرون بالبرودة تسري في أجسادهم إلا أن حرارة الموقف لم تترك مجالاً لتلك النسمات الباردة التي يبدو أنها قادمة من مزارع البرسيم القريبة من ذاك المكان. الكلاب في الخارج كانت قد هدأت أصواتها التي كلت من طول النباح، وبدأت الديكة تبشر بقرب انبلاج الفجر والنجيمات في السماء غاب أكثرها ولم يبق إلا القليل مما زاد في حلكة الظلام في تلك الليلة من بدايات شهر شوال.
في ذلك الجو المشحون بالحيطة والترقب لم ينس عبدالعزيز مهمته كقائد لمجموعة بقي جزء منها خارج المدينة ولم يخنه ذكاؤه الوقاد من تجميع خيوط العملية كلها في يده، ففي البيت المجاور لبيت عجلان وبعد أن قام هو ورجاله بتأمين المكان تماماً، أمر عبدالعزيز بن جلوي وفهد بن جلوي بالذهاب إلى المكان الذي تركوا فيه بقية الرجال مع محمد وأمرهما بإحضارهم إلى هذا البيت.
خرج ابنا جلوي لإحضار محمد وبقية الرجال فشاهدا شيخاً يسير في الظلام لم يتبيناه من شدة الظلام، أشار ابن جلوي إلى أخيه عبدالعزيز أن يكون مستعداً للقضاء على الرجل لكي لا يفتضح أمر المجموعة. أمسك بسيفه وهو يمشي في حذر بجانب الجدار للإمساك بالرجل وعندما اقترب من ذلك الشيخ، اكتشف أنه (حاشي) صغير يحتك بجدار البيت، يبدو أنه سئم من طول الرقاد. كتم ابن جلوي ضحكة جلجلت في صدره وأومأ لأخيه بالتحرك. وصل الرجلان إلى المكان الذي تركوا فيه بقية الرجال فاستقبلهم محمد في هلع وهو يصرخ: (:أيش صار؟؟.. وين عبدالعزيز؟) فقالا له: (عبدالعزيز بخير اطمئنوا ونحن جئنا لنأخذكم إليه) فارتفع صوت محمد قائلاً: (الحمدلله).
أصدر محمد أمره للرجال بالتحرك في حذر شديد فالأمر ما عاد يحتمل أي خطأ فهمس الرجال لبعضهم البعض وتحركوا جميعاً باتجاه المنزل الذي يوجد فيه عبدالعزيز وبقية الرجال.
عندما اطمأن الفتى على وصول المجموعة كلها، بدؤوا في التسلق للوصول إلى بيت ابن عجلان مستعينين بضوء شمعة صغيرة يحملونها معهم. تمكنوا من المنزل دون أن يشعر بهم أحد من أهل الدار وقام الفتى باستجواب زوجة عجلان عن مكان وجوده فأشارت عليهم بأنه داخل القلعة، فسألها عبدالعزيز: (ومتى يخرج من القلعة؟) قالت المرأة: (لا يخرج إلا إذا ارتفعت الشمس بقدر ثلاثة رماح).
الانتظار المعلق
قضى عبدالعزيز ورجاله بقية الليل في ذلك المكان وكان الفجر قد بدأت تباشيره تلوح في الأفق وبدأت الحركة تدب في البيوت الطينية الملاصقة لبيت عجلان فصلى عبدالعزيز ورفاقه الفجر منتظرين شروق الشمس في لهفة بالغة. كانت تلك أصعب اللحظات فكلما ازداد الأفق الشرقي اصفراراً ازدادات ضربات قلوب الرجال وهم يرقبون باب القلعة من على سطح البيت.. لحظات رهيبة يتحدد فيها مصير هذه المجموعة التي عانت التعب والإرهاق وهي تجوب البوادي أياماً وشهوراً لكي تصل إلى هذا المكان فوصلت وحانت الآن ساعة الصفر فإما أن يفوزوا بهدفهم الذي جاؤوا من أجله وإما الموت فإن استطاع عجلان وجماعته القبض عليهم فمن المؤكد أنه لن يتركهم على قيد الحياة وحتى إن أبقاهم فمن المؤكد أنه سوف يرسلهم أسرى إلى ابن رشيد خصمهم اللدود.
وأشرقت شمس الخامس من شوال وهي تتباطأ في مسيرها وأضاءت المكان من حول الرجال القابعين في سطح المنزل في تحفز بالغ للقفز على عجلان عندما يخرج من القلعة، وبدأت الشمس في الارتفاع قليلاً قليلاً ومع ارتفاعها ترتفع قلوب الرجال إلى الحناجر ويزداد التحفز في العيون الصغيرة التي تبدو من خلف اللثام وأخيراً فتح باب القلعة وخرج بعض الحرس وهم يقودون جيادهم وربطوها في مكان غير بعيد. بعد برهة قليلة خرج عجلان ومعه عشرة من رجاله وخطا خطوات واسعة خارج القلعة.
أشار عبدالعزيز على رجاله بالقفز على أن تبقى مجموعة على السطح لإطلاق النار على الحرس الذين يقفون عند باب القلعة ركض عبدالعزيز ومعه المجموعة التي اختارها باتجاه عجلان وبدا رجاله في إطلاق النار وحدث هرج ومرج عند باب القلعة حينما حاول رجال عجلان الدخول مرة أخرى استطاع بعضهم الدخول ولكن عجلان الذي حاول الاندفاع عبر البوابة الصغيرة، استطاع عبدالعزيز أن يمسك برجليه ولكنه رفس عبدالعزيز واستطاع أن يدخل من الفتحة وبدأ رجاله في إطلاق النار على رجال عبدالعزيز.
في تلك اللحظة استطاع ابن جلوي ومعه عشرة من الرجال الدخول تحت وابل النيران المنتصبة على رؤوسهم من حراس القلعة وقتل ابن جلوي عجلان على مشهد من رجاله وفتح بقية الرجال الباب على مصراعيه وتبودلت الطعنات والضربات بين الجانبين أخيراً سيطر عبدالعزيز ورجاله على الموقف وأمّنوا رجال القلعة على أرواحهم وخرج المنادي ينادي في أسواق الرياض قائلاً: (إن الملك لله ثم لعبدالعزيز).
اعداد : بندر الحربي
كان الركب يتهادى بين الكثبان الرملية المتناثرة هنا وهناك، الأرض جرداء إلا من لونها الذهبي الذي هو مزيج من لون الرمال والحصى، العير قد كلت من طول المسير فالمشوار كان طويلاً والسكوت يخيم على المجموعة، صمت لا يقطعه نباح الكلاب من خلف التلال البعيدة،
الشمس في اصفرارها الأخير الذي يسبق الغروب بقليل وحرارة الصحراء اللافحة بدأت تخف رويداً رويداً مع قدوم الليل وبدأ الرجال يشعرون بالاطمئنان وهم يقتربون من الجانب الشرقي لوادي حنيفة إذ بدأت أصوات السواني تصل إلى مسامعهم وكأنها قادمة من كوكب آخر قليلاً.. قليلاً بدأت أصوات السواني تكون أكثر وضوحاً، وعند غروب الشمس كانت المجموعة قد اقتربت من أطراف الوادي فازدادت الضوضاء، ضجيج البهائم وهي تستقبل أمهاتها العائدة من المرعي، خوار العجول الصغيرة وقد حان وقت عشائها، وبدأت البرودة تسري في عروق أولئك القادمين من هجير الصحراء ومن لفح السموم، أولئك الذين أضناهم السرى وهم يبيتون ليلة وراء ليلة في بطون الأودية البعيدة وخلف كثبان الرمال وبين الجبال.
كان عددهم ثلاثة وستين رجلاً يأتمرون بأمر الفتى الشامخ على راحلته في المقدمة والذي كان يقودهم في مهمة كلهم يعرفون خطورتها، كانت وجهتهم الرياض، عاصمة نجد، لا ليتنزهوا هناك ويملؤوا عيونهم بأسوارها الحصينة وقلاعها الباقية من زمن الإمام فيصل بن تركي ولكن ليحتلوها، وكان الرجال جميعهم يعرفون صعوبة المهمة ومدى خطورتها خاصة على جمعهم القليل ولكن ذاك الذي يقودهم يعرفون أنه كالطود لا تهزه الرياح العاتية ولا تخيفه صلصلة السيوف حينما، تُسحب من أغمادها.
وصل الركب إلى محلة الشمسية القريبة من الرياض وأشار الفتى بيده أن مكان الإناخة ها هنا.. الرواحل كان الجوع والتعب قد أخذ منها كل مأخذ ولكن الرجال من فوقها ما كانوا يفكرون في جوع أو تعب إذ إن الأمر أكبر من ذلك بكثير، إنه المصير.. وأي مصير يا ترى في انتظار هذه القلة القليلة من الرجال؟
ظلام الليل.. ونور القلوب
نزل الفتى، والظلام يلف المكان من كل جانب إذ إن الليلة كانت شديدة الظلام، فالقمر مازال هلالاً صغيراً لم يمض على بزوغه سوى أربعة أيام فقط، ولذلك سرعان ما توارى بعد مغيب الشمس بقليل.. والزمان ما كان مثل زماننا هذا فلا كهرباء تضيء المنازل وإنما أشعة ذايلة من أسرجة موقدة في بعض المنازل الطينية من على البعد حتى إنها تكاد لا تُرى من فرط ذيولها. تأمل الفتى المكان جيداً وسرح بخياله بعيداً خلف تلك البيوت الطينية التي تبدو مثل أشباح في الظلام، تذكر طفولته وهو يركض في تلك الأزقة الضيقة تحفه الرعاية الأبوية، وتذكر يوم أن رحل من هنا مع والده وإخوته وهام في الصحراء زماناً متنقلاً بين عرب العجمان في البادية قبل أن يستقر بهم المقام أخيراً في الكويت، وتذكر يوم الصريف من العام الماضي حينما دخل الرياض ظافراً واضطر للانسحاب بعد أن تغلب ابن رشيد على جيش مبارك.
كل ذلك جال في خاطر الفتى وهو يقف على مقربة من المكان الذي طالما حن إليه طويلاً، والمجموعة من خلف لا يسمع لهم صوت، فالفتى أميرهم وهم رهن إشارته ينتظرون ما يشير به عليهم، وهو غارق في تأملاته تلك، المدينة سورها هدمه ابن رشيد ولم يعد لها سور ولعل هذا قد يسهل المهمة كثيراً، أخيراً التفت الفتى إلى من خلفه قائلاً: (ليبق محمد أخي ومعه الرجال هنا، وسنذهب أنا وعبدالعزيز بن جلوي وفهد وعبدالله بن جلوي، وناصر بن سعود ومعنا المعشوق وسبعان لنستطلع الأمر ولا تتحركوا من مكانكم حتى نرسل إليكم).
انطلقت المجموعة المكونة من سبعة أشخاص باتجاه البلدة يقودهم عبدالعزيز.. البلدة كانت غارقة في نوم عميق، البيوت الطينية تبدو في الظلام كأطلال عفا عليها الزمن والكلاب التي تجوب الشوارع في تلك الساعة المتأخرة من الليل نباحها لا يكاد ينقطع. ومن شارع إلى آخر تمر المجموعة بقطيع من الأغنام تجتر عشاءها وهي مكومة على جنبات الطريق، أصوات الجنادب لها صرير حاد يزداد حدة كلما تقدمت المجموعة باتجاه القلعة التي هدمها ابن رشيد ولم يبق منهاه سوى المصمك، كان عبدالعزيز يعرف المكان شبراً شبراً ويعرف أن عامل ابن رشيد عجلان يبيت مع رجاله داخل قلعة المصمك تحت حراسة شديدة ولكن الفتى ما كانت تعجزه الحيلة وهو الذي خبر الصحراء وادياً فوادياً، وهو الذي قضى ثلاثة أشهر مع رجاله يجوبون البادية قبل أن يصلوا إلى هذا المكان، قضوا منها شهرين في الربع الخالي، لا أحد يدري أين مكانهم.
الوصول إلى الهدف
كان عبدالعزيز يعرف منزل عجلان الواقع خارج القلعة، ولكن قبل الوصول إليه آثر أن يتخذ طريقاً آخر مبالغة في الحيطة والحذر فاتجه إلى منزل جويسر أولاً، فقد كان جويسر رجلاً كبيراً في السن يبيع الأبقار، وبكل جرأة طرق عبدالعزيز الباب، فخرجت إحدى بنات جويسر وسألت من خلف الباب (من أنت؟).
قال عبدالعزيز: (أنا ابن مطرف، أرسلني الأمير عجلان يريد من أبيك أن يشتري له باكر بقرتين وأريد أن أقابل أباك).
ويبدو أن الحيلة لم تنطل على الفتاة، فرفضت أن تفتح الباب وعندما علا صوتها جاء أبوها على الجلبة التي حدثت عند الباب وفتح الباب، فأمسك به عبدالعزيز وأمر رجاله بحبسه في مكان من البيت حتى الصباح لكيلا ينفضح أمرهم وبعد أن جال الفتى في أنحاء البيت اكتشف أن هناك منزلاً آخر يفصل بين هذا البيت وبيت ابن عجلان، ولكن هل تنتهي مغامرة الأشهر العديدة عند جدار بيت من الطين يفصل بين بيت جويسر وبيت عجلان؟
ما تعود الفتى أن يستسلم بهذه السهولة، وما كانت الجدران الطينية لتحول بينه وبين المهمة التي جاء من أجلها ولا كان الخوف يعرف طريقاً إلى قلبه الذي خبر المعارك وقعقعة السيوف وبريق الرماح فأمر رجاله بالقفز من على جدار ذلك المنزل وتمت العملية في يسر وسهولة ونزلوا في البيت المجاور لبيت عجلان.
الليل كان قد مضى نصفه الأول والشتاء كاد أن ينتهي ولم يبق منه إلا القليل وفي أواخر الشتاء، عادة، تزداد حدة البرد في الثلث الأخير من الليل.
وبدأ الرجال يشعرون بالبرودة تسري في أجسادهم إلا أن حرارة الموقف لم تترك مجالاً لتلك النسمات الباردة التي يبدو أنها قادمة من مزارع البرسيم القريبة من ذاك المكان. الكلاب في الخارج كانت قد هدأت أصواتها التي كلت من طول النباح، وبدأت الديكة تبشر بقرب انبلاج الفجر والنجيمات في السماء غاب أكثرها ولم يبق إلا القليل مما زاد في حلكة الظلام في تلك الليلة من بدايات شهر شوال.
في ذلك الجو المشحون بالحيطة والترقب لم ينس عبدالعزيز مهمته كقائد لمجموعة بقي جزء منها خارج المدينة ولم يخنه ذكاؤه الوقاد من تجميع خيوط العملية كلها في يده، ففي البيت المجاور لبيت عجلان وبعد أن قام هو ورجاله بتأمين المكان تماماً، أمر عبدالعزيز بن جلوي وفهد بن جلوي بالذهاب إلى المكان الذي تركوا فيه بقية الرجال مع محمد وأمرهما بإحضارهم إلى هذا البيت.
خرج ابنا جلوي لإحضار محمد وبقية الرجال فشاهدا شيخاً يسير في الظلام لم يتبيناه من شدة الظلام، أشار ابن جلوي إلى أخيه عبدالعزيز أن يكون مستعداً للقضاء على الرجل لكي لا يفتضح أمر المجموعة. أمسك بسيفه وهو يمشي في حذر بجانب الجدار للإمساك بالرجل وعندما اقترب من ذلك الشيخ، اكتشف أنه (حاشي) صغير يحتك بجدار البيت، يبدو أنه سئم من طول الرقاد. كتم ابن جلوي ضحكة جلجلت في صدره وأومأ لأخيه بالتحرك. وصل الرجلان إلى المكان الذي تركوا فيه بقية الرجال فاستقبلهم محمد في هلع وهو يصرخ: (:أيش صار؟؟.. وين عبدالعزيز؟) فقالا له: (عبدالعزيز بخير اطمئنوا ونحن جئنا لنأخذكم إليه) فارتفع صوت محمد قائلاً: (الحمدلله).
أصدر محمد أمره للرجال بالتحرك في حذر شديد فالأمر ما عاد يحتمل أي خطأ فهمس الرجال لبعضهم البعض وتحركوا جميعاً باتجاه المنزل الذي يوجد فيه عبدالعزيز وبقية الرجال.
عندما اطمأن الفتى على وصول المجموعة كلها، بدؤوا في التسلق للوصول إلى بيت ابن عجلان مستعينين بضوء شمعة صغيرة يحملونها معهم. تمكنوا من المنزل دون أن يشعر بهم أحد من أهل الدار وقام الفتى باستجواب زوجة عجلان عن مكان وجوده فأشارت عليهم بأنه داخل القلعة، فسألها عبدالعزيز: (ومتى يخرج من القلعة؟) قالت المرأة: (لا يخرج إلا إذا ارتفعت الشمس بقدر ثلاثة رماح).
الانتظار المعلق
قضى عبدالعزيز ورجاله بقية الليل في ذلك المكان وكان الفجر قد بدأت تباشيره تلوح في الأفق وبدأت الحركة تدب في البيوت الطينية الملاصقة لبيت عجلان فصلى عبدالعزيز ورفاقه الفجر منتظرين شروق الشمس في لهفة بالغة. كانت تلك أصعب اللحظات فكلما ازداد الأفق الشرقي اصفراراً ازدادات ضربات قلوب الرجال وهم يرقبون باب القلعة من على سطح البيت.. لحظات رهيبة يتحدد فيها مصير هذه المجموعة التي عانت التعب والإرهاق وهي تجوب البوادي أياماً وشهوراً لكي تصل إلى هذا المكان فوصلت وحانت الآن ساعة الصفر فإما أن يفوزوا بهدفهم الذي جاؤوا من أجله وإما الموت فإن استطاع عجلان وجماعته القبض عليهم فمن المؤكد أنه لن يتركهم على قيد الحياة وحتى إن أبقاهم فمن المؤكد أنه سوف يرسلهم أسرى إلى ابن رشيد خصمهم اللدود.
وأشرقت شمس الخامس من شوال وهي تتباطأ في مسيرها وأضاءت المكان من حول الرجال القابعين في سطح المنزل في تحفز بالغ للقفز على عجلان عندما يخرج من القلعة، وبدأت الشمس في الارتفاع قليلاً قليلاً ومع ارتفاعها ترتفع قلوب الرجال إلى الحناجر ويزداد التحفز في العيون الصغيرة التي تبدو من خلف اللثام وأخيراً فتح باب القلعة وخرج بعض الحرس وهم يقودون جيادهم وربطوها في مكان غير بعيد. بعد برهة قليلة خرج عجلان ومعه عشرة من رجاله وخطا خطوات واسعة خارج القلعة.
أشار عبدالعزيز على رجاله بالقفز على أن تبقى مجموعة على السطح لإطلاق النار على الحرس الذين يقفون عند باب القلعة ركض عبدالعزيز ومعه المجموعة التي اختارها باتجاه عجلان وبدا رجاله في إطلاق النار وحدث هرج ومرج عند باب القلعة حينما حاول رجال عجلان الدخول مرة أخرى استطاع بعضهم الدخول ولكن عجلان الذي حاول الاندفاع عبر البوابة الصغيرة، استطاع عبدالعزيز أن يمسك برجليه ولكنه رفس عبدالعزيز واستطاع أن يدخل من الفتحة وبدأ رجاله في إطلاق النار على رجال عبدالعزيز.
في تلك اللحظة استطاع ابن جلوي ومعه عشرة من الرجال الدخول تحت وابل النيران المنتصبة على رؤوسهم من حراس القلعة وقتل ابن جلوي عجلان على مشهد من رجاله وفتح بقية الرجال الباب على مصراعيه وتبودلت الطعنات والضربات بين الجانبين أخيراً سيطر عبدالعزيز ورجاله على الموقف وأمّنوا رجال القلعة على أرواحهم وخرج المنادي ينادي في أسواق الرياض قائلاً: (إن الملك لله ثم لعبدالعزيز).
المصدر
جريدة الجزيره
القصة الكاملة لدخول الملك عبدالعزيز الرياض
اعداد : بندر الحربي
كان الركب يتهادى بين الكثبان الرملية المتناثرة هنا وهناك، الأرض جرداء إلا من لونها الذهبي الذي هو مزيج من لون الرمال والحصى، العير قد كلت من طول المسير فالمشوار كان طويلاً والسكوت يخيم على المجموعة، صمت لا يقطعه نباح الكلاب من خلف التلال البعيدة،
الشمس في اصفرارها الأخير الذي يسبق الغروب بقليل وحرارة الصحراء اللافحة بدأت تخف رويداً رويداً مع قدوم الليل وبدأ الرجال يشعرون بالاطمئنان وهم يقتربون من الجانب الشرقي لوادي حنيفة إذ بدأت أصوات السواني تصل إلى مسامعهم وكأنها قادمة من كوكب آخر قليلاً.. قليلاً بدأت أصوات السواني تكون أكثر وضوحاً، وعند غروب الشمس كانت المجموعة قد اقتربت من أطراف الوادي فازدادت الضوضاء، ضجيج البهائم وهي تستقبل أمهاتها العائدة من المرعي، خوار العجول الصغيرة وقد حان وقت عشائها، وبدأت البرودة تسري في عروق أولئك القادمين من هجير الصحراء ومن لفح السموم، أولئك الذين أضناهم السرى وهم يبيتون ليلة وراء ليلة في بطون الأودية البعيدة وخلف كثبان الرمال وبين الجبال.
كان عددهم ثلاثة وستين رجلاً يأتمرون بأمر الفتى الشامخ على راحلته في المقدمة والذي كان يقودهم في مهمة كلهم يعرفون خطورتها، كانت وجهتهم الرياض، عاصمة نجد، لا ليتنزهوا هناك ويملؤوا عيونهم بأسوارها الحصينة وقلاعها الباقية من زمن الإمام فيصل بن تركي ولكن ليحتلوها، وكان الرجال جميعهم يعرفون صعوبة المهمة ومدى خطورتها خاصة على جمعهم القليل ولكن ذاك الذي يقودهم يعرفون أنه كالطود لا تهزه الرياح العاتية ولا تخيفه صلصلة السيوف حينما، تُسحب من أغمادها.
وصل الركب إلى محلة الشمسية القريبة من الرياض وأشار الفتى بيده أن مكان الإناخة ها هنا.. الرواحل كان الجوع والتعب قد أخذ منها كل مأخذ ولكن الرجال من فوقها ما كانوا يفكرون في جوع أو تعب إذ إن الأمر أكبر من ذلك بكثير، إنه المصير.. وأي مصير يا ترى في انتظار هذه القلة القليلة من الرجال؟
ظلام الليل.. ونور القلوب
نزل الفتى، والظلام يلف المكان من كل جانب إذ إن الليلة كانت شديدة الظلام، فالقمر مازال هلالاً صغيراً لم يمض على بزوغه سوى أربعة أيام فقط، ولذلك سرعان ما توارى بعد مغيب الشمس بقليل.. والزمان ما كان مثل زماننا هذا فلا كهرباء تضيء المنازل وإنما أشعة ذايلة من أسرجة موقدة في بعض المنازل الطينية من على البعد حتى إنها تكاد لا تُرى من فرط ذيولها. تأمل الفتى المكان جيداً وسرح بخياله بعيداً خلف تلك البيوت الطينية التي تبدو مثل أشباح في الظلام، تذكر طفولته وهو يركض في تلك الأزقة الضيقة تحفه الرعاية الأبوية، وتذكر يوم أن رحل من هنا مع والده وإخوته وهام في الصحراء زماناً متنقلاً بين عرب العجمان في البادية قبل أن يستقر بهم المقام أخيراً في الكويت، وتذكر يوم الصريف من العام الماضي حينما دخل الرياض ظافراً واضطر للانسحاب بعد أن تغلب ابن رشيد على جيش مبارك.
كل ذلك جال في خاطر الفتى وهو يقف على مقربة من المكان الذي طالما حن إليه طويلاً، والمجموعة من خلف لا يسمع لهم صوت، فالفتى أميرهم وهم رهن إشارته ينتظرون ما يشير به عليهم، وهو غارق في تأملاته تلك، المدينة سورها هدمه ابن رشيد ولم يعد لها سور ولعل هذا قد يسهل المهمة كثيراً، أخيراً التفت الفتى إلى من خلفه قائلاً: (ليبق محمد أخي ومعه الرجال هنا، وسنذهب أنا وعبدالعزيز بن جلوي وفهد وعبدالله بن جلوي، وناصر بن سعود ومعنا المعشوق وسبعان لنستطلع الأمر ولا تتحركوا من مكانكم حتى نرسل إليكم).
انطلقت المجموعة المكونة من سبعة أشخاص باتجاه البلدة يقودهم عبدالعزيز.. البلدة كانت غارقة في نوم عميق، البيوت الطينية تبدو في الظلام كأطلال عفا عليها الزمن والكلاب التي تجوب الشوارع في تلك الساعة المتأخرة من الليل نباحها لا يكاد ينقطع. ومن شارع إلى آخر تمر المجموعة بقطيع من الأغنام تجتر عشاءها وهي مكومة على جنبات الطريق، أصوات الجنادب لها صرير حاد يزداد حدة كلما تقدمت المجموعة باتجاه القلعة التي هدمها ابن رشيد ولم يبق منهاه سوى المصمك، كان عبدالعزيز يعرف المكان شبراً شبراً ويعرف أن عامل ابن رشيد عجلان يبيت مع رجاله داخل قلعة المصمك تحت حراسة شديدة ولكن الفتى ما كانت تعجزه الحيلة وهو الذي خبر الصحراء وادياً فوادياً، وهو الذي قضى ثلاثة أشهر مع رجاله يجوبون البادية قبل أن يصلوا إلى هذا المكان، قضوا منها شهرين في الربع الخالي، لا أحد يدري أين مكانهم.
الوصول إلى الهدف
كان عبدالعزيز يعرف منزل عجلان الواقع خارج القلعة، ولكن قبل الوصول إليه آثر أن يتخذ طريقاً آخر مبالغة في الحيطة والحذر فاتجه إلى منزل جويسر أولاً، فقد كان جويسر رجلاً كبيراً في السن يبيع الأبقار، وبكل جرأة طرق عبدالعزيز الباب، فخرجت إحدى بنات جويسر وسألت من خلف الباب (من أنت؟).
قال عبدالعزيز: (أنا ابن مطرف، أرسلني الأمير عجلان يريد من أبيك أن يشتري له باكر بقرتين وأريد أن أقابل أباك).
ويبدو أن الحيلة لم تنطل على الفتاة، فرفضت أن تفتح الباب وعندما علا صوتها جاء أبوها على الجلبة التي حدثت عند الباب وفتح الباب، فأمسك به عبدالعزيز وأمر رجاله بحبسه في مكان من البيت حتى الصباح لكيلا ينفضح أمرهم وبعد أن جال الفتى في أنحاء البيت اكتشف أن هناك منزلاً آخر يفصل بين هذا البيت وبيت ابن عجلان، ولكن هل تنتهي مغامرة الأشهر العديدة عند جدار بيت من الطين يفصل بين بيت جويسر وبيت عجلان؟
ما تعود الفتى أن يستسلم بهذه السهولة، وما كانت الجدران الطينية لتحول بينه وبين المهمة التي جاء من أجلها ولا كان الخوف يعرف طريقاً إلى قلبه الذي خبر المعارك وقعقعة السيوف وبريق الرماح فأمر رجاله بالقفز من على جدار ذلك المنزل وتمت العملية في يسر وسهولة ونزلوا في البيت المجاور لبيت عجلان.
الليل كان قد مضى نصفه الأول والشتاء كاد أن ينتهي ولم يبق منه إلا القليل وفي أواخر الشتاء، عادة، تزداد حدة البرد في الثلث الأخير من الليل.
وبدأ الرجال يشعرون بالبرودة تسري في أجسادهم إلا أن حرارة الموقف لم تترك مجالاً لتلك النسمات الباردة التي يبدو أنها قادمة من مزارع البرسيم القريبة من ذاك المكان. الكلاب في الخارج كانت قد هدأت أصواتها التي كلت من طول النباح، وبدأت الديكة تبشر بقرب انبلاج الفجر والنجيمات في السماء غاب أكثرها ولم يبق إلا القليل مما زاد في حلكة الظلام في تلك الليلة من بدايات شهر شوال.
في ذلك الجو المشحون بالحيطة والترقب لم ينس عبدالعزيز مهمته كقائد لمجموعة بقي جزء منها خارج المدينة ولم يخنه ذكاؤه الوقاد من تجميع خيوط العملية كلها في يده، ففي البيت المجاور لبيت عجلان وبعد أن قام هو ورجاله بتأمين المكان تماماً، أمر عبدالعزيز بن جلوي وفهد بن جلوي بالذهاب إلى المكان الذي تركوا فيه بقية الرجال مع محمد وأمرهما بإحضارهم إلى هذا البيت.
خرج ابنا جلوي لإحضار محمد وبقية الرجال فشاهدا شيخاً يسير في الظلام لم يتبيناه من شدة الظلام، أشار ابن جلوي إلى أخيه عبدالعزيز أن يكون مستعداً للقضاء على الرجل لكي لا يفتضح أمر المجموعة. أمسك بسيفه وهو يمشي في حذر بجانب الجدار للإمساك بالرجل وعندما اقترب من ذلك الشيخ، اكتشف أنه (حاشي) صغير يحتك بجدار البيت، يبدو أنه سئم من طول الرقاد. كتم ابن جلوي ضحكة جلجلت في صدره وأومأ لأخيه بالتحرك. وصل الرجلان إلى المكان الذي تركوا فيه بقية الرجال فاستقبلهم محمد في هلع وهو يصرخ: (:أيش صار؟؟.. وين عبدالعزيز؟) فقالا له: (عبدالعزيز بخير اطمئنوا ونحن جئنا لنأخذكم إليه) فارتفع صوت محمد قائلاً: (الحمدلله).
أصدر محمد أمره للرجال بالتحرك في حذر شديد فالأمر ما عاد يحتمل أي خطأ فهمس الرجال لبعضهم البعض وتحركوا جميعاً باتجاه المنزل الذي يوجد فيه عبدالعزيز وبقية الرجال.
عندما اطمأن الفتى على وصول المجموعة كلها، بدؤوا في التسلق للوصول إلى بيت ابن عجلان مستعينين بضوء شمعة صغيرة يحملونها معهم. تمكنوا من المنزل دون أن يشعر بهم أحد من أهل الدار وقام الفتى باستجواب زوجة عجلان عن مكان وجوده فأشارت عليهم بأنه داخل القلعة، فسألها عبدالعزيز: (ومتى يخرج من القلعة؟) قالت المرأة: (لا يخرج إلا إذا ارتفعت الشمس بقدر ثلاثة رماح).
الانتظار المعلق
قضى عبدالعزيز ورجاله بقية الليل في ذلك المكان وكان الفجر قد بدأت تباشيره تلوح في الأفق وبدأت الحركة تدب في البيوت الطينية الملاصقة لبيت عجلان فصلى عبدالعزيز ورفاقه الفجر منتظرين شروق الشمس في لهفة بالغة. كانت تلك أصعب اللحظات فكلما ازداد الأفق الشرقي اصفراراً ازدادات ضربات قلوب الرجال وهم يرقبون باب القلعة من على سطح البيت.. لحظات رهيبة يتحدد فيها مصير هذه المجموعة التي عانت التعب والإرهاق وهي تجوب البوادي أياماً وشهوراً لكي تصل إلى هذا المكان فوصلت وحانت الآن ساعة الصفر فإما أن يفوزوا بهدفهم الذي جاؤوا من أجله وإما الموت فإن استطاع عجلان وجماعته القبض عليهم فمن المؤكد أنه لن يتركهم على قيد الحياة وحتى إن أبقاهم فمن المؤكد أنه سوف يرسلهم أسرى إلى ابن رشيد خصمهم اللدود.
وأشرقت شمس الخامس من شوال وهي تتباطأ في مسيرها وأضاءت المكان من حول الرجال القابعين في سطح المنزل في تحفز بالغ للقفز على عجلان عندما يخرج من القلعة، وبدأت الشمس في الارتفاع قليلاً قليلاً ومع ارتفاعها ترتفع قلوب الرجال إلى الحناجر ويزداد التحفز في العيون الصغيرة التي تبدو من خلف اللثام وأخيراً فتح باب القلعة وخرج بعض الحرس وهم يقودون جيادهم وربطوها في مكان غير بعيد. بعد برهة قليلة خرج عجلان ومعه عشرة من رجاله وخطا خطوات واسعة خارج القلعة.
أشار عبدالعزيز على رجاله بالقفز على أن تبقى مجموعة على السطح لإطلاق النار على الحرس الذين يقفون عند باب القلعة ركض عبدالعزيز ومعه المجموعة التي اختارها باتجاه عجلان وبدا رجاله في إطلاق النار وحدث هرج ومرج عند باب القلعة حينما حاول رجال عجلان الدخول مرة أخرى استطاع بعضهم الدخول ولكن عجلان الذي حاول الاندفاع عبر البوابة الصغيرة، استطاع عبدالعزيز أن يمسك برجليه ولكنه رفس عبدالعزيز واستطاع أن يدخل من الفتحة وبدأ رجاله في إطلاق النار على رجال عبدالعزيز.
في تلك اللحظة استطاع ابن جلوي ومعه عشرة من الرجال الدخول تحت وابل النيران المنتصبة على رؤوسهم من حراس القلعة وقتل ابن جلوي عجلان على مشهد من رجاله وفتح بقية الرجال الباب على مصراعيه وتبودلت الطعنات والضربات بين الجانبين أخيراً سيطر عبدالعزيز ورجاله على الموقف وأمّنوا رجال القلعة على أرواحهم وخرج المنادي ينادي في أسواق الرياض قائلاً: (إن الملك لله ثم لعبدالعزيز).
اعداد : بندر الحربي
كان الركب يتهادى بين الكثبان الرملية المتناثرة هنا وهناك، الأرض جرداء إلا من لونها الذهبي الذي هو مزيج من لون الرمال والحصى، العير قد كلت من طول المسير فالمشوار كان طويلاً والسكوت يخيم على المجموعة، صمت لا يقطعه نباح الكلاب من خلف التلال البعيدة،
الشمس في اصفرارها الأخير الذي يسبق الغروب بقليل وحرارة الصحراء اللافحة بدأت تخف رويداً رويداً مع قدوم الليل وبدأ الرجال يشعرون بالاطمئنان وهم يقتربون من الجانب الشرقي لوادي حنيفة إذ بدأت أصوات السواني تصل إلى مسامعهم وكأنها قادمة من كوكب آخر قليلاً.. قليلاً بدأت أصوات السواني تكون أكثر وضوحاً، وعند غروب الشمس كانت المجموعة قد اقتربت من أطراف الوادي فازدادت الضوضاء، ضجيج البهائم وهي تستقبل أمهاتها العائدة من المرعي، خوار العجول الصغيرة وقد حان وقت عشائها، وبدأت البرودة تسري في عروق أولئك القادمين من هجير الصحراء ومن لفح السموم، أولئك الذين أضناهم السرى وهم يبيتون ليلة وراء ليلة في بطون الأودية البعيدة وخلف كثبان الرمال وبين الجبال.
كان عددهم ثلاثة وستين رجلاً يأتمرون بأمر الفتى الشامخ على راحلته في المقدمة والذي كان يقودهم في مهمة كلهم يعرفون خطورتها، كانت وجهتهم الرياض، عاصمة نجد، لا ليتنزهوا هناك ويملؤوا عيونهم بأسوارها الحصينة وقلاعها الباقية من زمن الإمام فيصل بن تركي ولكن ليحتلوها، وكان الرجال جميعهم يعرفون صعوبة المهمة ومدى خطورتها خاصة على جمعهم القليل ولكن ذاك الذي يقودهم يعرفون أنه كالطود لا تهزه الرياح العاتية ولا تخيفه صلصلة السيوف حينما، تُسحب من أغمادها.
وصل الركب إلى محلة الشمسية القريبة من الرياض وأشار الفتى بيده أن مكان الإناخة ها هنا.. الرواحل كان الجوع والتعب قد أخذ منها كل مأخذ ولكن الرجال من فوقها ما كانوا يفكرون في جوع أو تعب إذ إن الأمر أكبر من ذلك بكثير، إنه المصير.. وأي مصير يا ترى في انتظار هذه القلة القليلة من الرجال؟
ظلام الليل.. ونور القلوب
نزل الفتى، والظلام يلف المكان من كل جانب إذ إن الليلة كانت شديدة الظلام، فالقمر مازال هلالاً صغيراً لم يمض على بزوغه سوى أربعة أيام فقط، ولذلك سرعان ما توارى بعد مغيب الشمس بقليل.. والزمان ما كان مثل زماننا هذا فلا كهرباء تضيء المنازل وإنما أشعة ذايلة من أسرجة موقدة في بعض المنازل الطينية من على البعد حتى إنها تكاد لا تُرى من فرط ذيولها. تأمل الفتى المكان جيداً وسرح بخياله بعيداً خلف تلك البيوت الطينية التي تبدو مثل أشباح في الظلام، تذكر طفولته وهو يركض في تلك الأزقة الضيقة تحفه الرعاية الأبوية، وتذكر يوم أن رحل من هنا مع والده وإخوته وهام في الصحراء زماناً متنقلاً بين عرب العجمان في البادية قبل أن يستقر بهم المقام أخيراً في الكويت، وتذكر يوم الصريف من العام الماضي حينما دخل الرياض ظافراً واضطر للانسحاب بعد أن تغلب ابن رشيد على جيش مبارك.
كل ذلك جال في خاطر الفتى وهو يقف على مقربة من المكان الذي طالما حن إليه طويلاً، والمجموعة من خلف لا يسمع لهم صوت، فالفتى أميرهم وهم رهن إشارته ينتظرون ما يشير به عليهم، وهو غارق في تأملاته تلك، المدينة سورها هدمه ابن رشيد ولم يعد لها سور ولعل هذا قد يسهل المهمة كثيراً، أخيراً التفت الفتى إلى من خلفه قائلاً: (ليبق محمد أخي ومعه الرجال هنا، وسنذهب أنا وعبدالعزيز بن جلوي وفهد وعبدالله بن جلوي، وناصر بن سعود ومعنا المعشوق وسبعان لنستطلع الأمر ولا تتحركوا من مكانكم حتى نرسل إليكم).
انطلقت المجموعة المكونة من سبعة أشخاص باتجاه البلدة يقودهم عبدالعزيز.. البلدة كانت غارقة في نوم عميق، البيوت الطينية تبدو في الظلام كأطلال عفا عليها الزمن والكلاب التي تجوب الشوارع في تلك الساعة المتأخرة من الليل نباحها لا يكاد ينقطع. ومن شارع إلى آخر تمر المجموعة بقطيع من الأغنام تجتر عشاءها وهي مكومة على جنبات الطريق، أصوات الجنادب لها صرير حاد يزداد حدة كلما تقدمت المجموعة باتجاه القلعة التي هدمها ابن رشيد ولم يبق منهاه سوى المصمك، كان عبدالعزيز يعرف المكان شبراً شبراً ويعرف أن عامل ابن رشيد عجلان يبيت مع رجاله داخل قلعة المصمك تحت حراسة شديدة ولكن الفتى ما كانت تعجزه الحيلة وهو الذي خبر الصحراء وادياً فوادياً، وهو الذي قضى ثلاثة أشهر مع رجاله يجوبون البادية قبل أن يصلوا إلى هذا المكان، قضوا منها شهرين في الربع الخالي، لا أحد يدري أين مكانهم.
الوصول إلى الهدف
كان عبدالعزيز يعرف منزل عجلان الواقع خارج القلعة، ولكن قبل الوصول إليه آثر أن يتخذ طريقاً آخر مبالغة في الحيطة والحذر فاتجه إلى منزل جويسر أولاً، فقد كان جويسر رجلاً كبيراً في السن يبيع الأبقار، وبكل جرأة طرق عبدالعزيز الباب، فخرجت إحدى بنات جويسر وسألت من خلف الباب (من أنت؟).
قال عبدالعزيز: (أنا ابن مطرف، أرسلني الأمير عجلان يريد من أبيك أن يشتري له باكر بقرتين وأريد أن أقابل أباك).
ويبدو أن الحيلة لم تنطل على الفتاة، فرفضت أن تفتح الباب وعندما علا صوتها جاء أبوها على الجلبة التي حدثت عند الباب وفتح الباب، فأمسك به عبدالعزيز وأمر رجاله بحبسه في مكان من البيت حتى الصباح لكيلا ينفضح أمرهم وبعد أن جال الفتى في أنحاء البيت اكتشف أن هناك منزلاً آخر يفصل بين هذا البيت وبيت ابن عجلان، ولكن هل تنتهي مغامرة الأشهر العديدة عند جدار بيت من الطين يفصل بين بيت جويسر وبيت عجلان؟
ما تعود الفتى أن يستسلم بهذه السهولة، وما كانت الجدران الطينية لتحول بينه وبين المهمة التي جاء من أجلها ولا كان الخوف يعرف طريقاً إلى قلبه الذي خبر المعارك وقعقعة السيوف وبريق الرماح فأمر رجاله بالقفز من على جدار ذلك المنزل وتمت العملية في يسر وسهولة ونزلوا في البيت المجاور لبيت عجلان.
الليل كان قد مضى نصفه الأول والشتاء كاد أن ينتهي ولم يبق منه إلا القليل وفي أواخر الشتاء، عادة، تزداد حدة البرد في الثلث الأخير من الليل.
وبدأ الرجال يشعرون بالبرودة تسري في أجسادهم إلا أن حرارة الموقف لم تترك مجالاً لتلك النسمات الباردة التي يبدو أنها قادمة من مزارع البرسيم القريبة من ذاك المكان. الكلاب في الخارج كانت قد هدأت أصواتها التي كلت من طول النباح، وبدأت الديكة تبشر بقرب انبلاج الفجر والنجيمات في السماء غاب أكثرها ولم يبق إلا القليل مما زاد في حلكة الظلام في تلك الليلة من بدايات شهر شوال.
في ذلك الجو المشحون بالحيطة والترقب لم ينس عبدالعزيز مهمته كقائد لمجموعة بقي جزء منها خارج المدينة ولم يخنه ذكاؤه الوقاد من تجميع خيوط العملية كلها في يده، ففي البيت المجاور لبيت عجلان وبعد أن قام هو ورجاله بتأمين المكان تماماً، أمر عبدالعزيز بن جلوي وفهد بن جلوي بالذهاب إلى المكان الذي تركوا فيه بقية الرجال مع محمد وأمرهما بإحضارهم إلى هذا البيت.
خرج ابنا جلوي لإحضار محمد وبقية الرجال فشاهدا شيخاً يسير في الظلام لم يتبيناه من شدة الظلام، أشار ابن جلوي إلى أخيه عبدالعزيز أن يكون مستعداً للقضاء على الرجل لكي لا يفتضح أمر المجموعة. أمسك بسيفه وهو يمشي في حذر بجانب الجدار للإمساك بالرجل وعندما اقترب من ذلك الشيخ، اكتشف أنه (حاشي) صغير يحتك بجدار البيت، يبدو أنه سئم من طول الرقاد. كتم ابن جلوي ضحكة جلجلت في صدره وأومأ لأخيه بالتحرك. وصل الرجلان إلى المكان الذي تركوا فيه بقية الرجال فاستقبلهم محمد في هلع وهو يصرخ: (:أيش صار؟؟.. وين عبدالعزيز؟) فقالا له: (عبدالعزيز بخير اطمئنوا ونحن جئنا لنأخذكم إليه) فارتفع صوت محمد قائلاً: (الحمدلله).
أصدر محمد أمره للرجال بالتحرك في حذر شديد فالأمر ما عاد يحتمل أي خطأ فهمس الرجال لبعضهم البعض وتحركوا جميعاً باتجاه المنزل الذي يوجد فيه عبدالعزيز وبقية الرجال.
عندما اطمأن الفتى على وصول المجموعة كلها، بدؤوا في التسلق للوصول إلى بيت ابن عجلان مستعينين بضوء شمعة صغيرة يحملونها معهم. تمكنوا من المنزل دون أن يشعر بهم أحد من أهل الدار وقام الفتى باستجواب زوجة عجلان عن مكان وجوده فأشارت عليهم بأنه داخل القلعة، فسألها عبدالعزيز: (ومتى يخرج من القلعة؟) قالت المرأة: (لا يخرج إلا إذا ارتفعت الشمس بقدر ثلاثة رماح).
الانتظار المعلق
قضى عبدالعزيز ورجاله بقية الليل في ذلك المكان وكان الفجر قد بدأت تباشيره تلوح في الأفق وبدأت الحركة تدب في البيوت الطينية الملاصقة لبيت عجلان فصلى عبدالعزيز ورفاقه الفجر منتظرين شروق الشمس في لهفة بالغة. كانت تلك أصعب اللحظات فكلما ازداد الأفق الشرقي اصفراراً ازدادات ضربات قلوب الرجال وهم يرقبون باب القلعة من على سطح البيت.. لحظات رهيبة يتحدد فيها مصير هذه المجموعة التي عانت التعب والإرهاق وهي تجوب البوادي أياماً وشهوراً لكي تصل إلى هذا المكان فوصلت وحانت الآن ساعة الصفر فإما أن يفوزوا بهدفهم الذي جاؤوا من أجله وإما الموت فإن استطاع عجلان وجماعته القبض عليهم فمن المؤكد أنه لن يتركهم على قيد الحياة وحتى إن أبقاهم فمن المؤكد أنه سوف يرسلهم أسرى إلى ابن رشيد خصمهم اللدود.
وأشرقت شمس الخامس من شوال وهي تتباطأ في مسيرها وأضاءت المكان من حول الرجال القابعين في سطح المنزل في تحفز بالغ للقفز على عجلان عندما يخرج من القلعة، وبدأت الشمس في الارتفاع قليلاً قليلاً ومع ارتفاعها ترتفع قلوب الرجال إلى الحناجر ويزداد التحفز في العيون الصغيرة التي تبدو من خلف اللثام وأخيراً فتح باب القلعة وخرج بعض الحرس وهم يقودون جيادهم وربطوها في مكان غير بعيد. بعد برهة قليلة خرج عجلان ومعه عشرة من رجاله وخطا خطوات واسعة خارج القلعة.
أشار عبدالعزيز على رجاله بالقفز على أن تبقى مجموعة على السطح لإطلاق النار على الحرس الذين يقفون عند باب القلعة ركض عبدالعزيز ومعه المجموعة التي اختارها باتجاه عجلان وبدا رجاله في إطلاق النار وحدث هرج ومرج عند باب القلعة حينما حاول رجال عجلان الدخول مرة أخرى استطاع بعضهم الدخول ولكن عجلان الذي حاول الاندفاع عبر البوابة الصغيرة، استطاع عبدالعزيز أن يمسك برجليه ولكنه رفس عبدالعزيز واستطاع أن يدخل من الفتحة وبدأ رجاله في إطلاق النار على رجال عبدالعزيز.
في تلك اللحظة استطاع ابن جلوي ومعه عشرة من الرجال الدخول تحت وابل النيران المنتصبة على رؤوسهم من حراس القلعة وقتل ابن جلوي عجلان على مشهد من رجاله وفتح بقية الرجال الباب على مصراعيه وتبودلت الطعنات والضربات بين الجانبين أخيراً سيطر عبدالعزيز ورجاله على الموقف وأمّنوا رجال القلعة على أرواحهم وخرج المنادي ينادي في أسواق الرياض قائلاً: (إن الملك لله ثم لعبدالعزيز).
المصدر
جريدة الجزيره